الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
217
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الكلم التي هي دعاء بسوء تستعمل في التعجيب من فعل أو قول مكروه مثل قولهم : ثكلته أمه ، وويل أمّه . وتربت يمينه . واستعمال ذلك في التعجب مجاز مرسل للملازمة بين بلوغ الحال في السوء وبين الدعاء على صاحبه بالهلاك ، إذ لا نفع له ولا للناس في بقائه ، ثم الملازمة بين الدعاء بالهلاك وبين التعجب من سوء الحال . فهي ملازمة بمرتبتين كناية رمزية . و أَنَّى هنا اسم استفهام عن المكان . وأصل أَنَّى ظرف مكان وكثر تضمينه معنى الاستفهام في استعمالاته ، وقد يكون للمكان المجازي فيفسر بمعنى ( كيف ) كقوله تعالى : قُلْتُمْ أَنَّى هذا في سورة عمران [ 165 ] ، وفي قوله : أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى في سورة الدخان [ 13 ] . ومنه قوله هنا أَنَّى يُؤْفَكُونَ ، والاستفهام هنا مستعمل في التعجيب على وجه المجاز المرسل لأن الأمر العجيب من شأنه أن يستفهم عن حال حصوله . فالاستفهام عنه من لوازم أعجوبته . فجملة أَنَّى يُؤْفَكُونَ بيان للتعجيب الإجمالي المفاد بجملة قاتَلَهُمُ اللَّهُ . و يُؤْفَكُونَ يصرفون يقال : أفكه ، إذا صرفه وأبعده ، والمراد : صرفهم عن الهدى ، أي كيف أمكن لهم أن يصرفوا أنفسهم عن الهدى ، أو كيف أمكن لمضليهم أن يصرفوهم عن الهدى مع وضوح دلائله . وتقدم نظير هذه الآية في سورة براءة . [ 5 ] [ سورة المنافقون ( 63 ) : آية 5 ] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ( 5 ) هذا حالهم في العناد ومجافاة الرسول صلى اللّه عليه وسلّم والإعراض عن التفكر في الآخرة ، بله الاستعداد للفوز فيها . و تَعالَوْا طلب من المخاطب بالحضور عند الطالب ، وأصله فعل أمر من التعالي ، وهو تكلف العلو ، أي الصعود ، وتنوسي ذلك وصار لمجرد طلب الحضور ، فلزم حالة واحدة فصار اسم فعل ، وتقدم عند قوله تعالى : قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ الآية في سورة الأنعام [ 151 ] . وهذا الطلب يجعل تَعالَوْا مشعر بأن هذه حالة من أحوال انفرادهم في جماعتهم